خليل الصفدي

458

أعيان العصر وأعوان النصر

وهلك جماعة من العقوبة . ثم إنه تولى نظر الخاص بعد جمال الكفاة ، ولما تولى نظر الخاص كتب اسمه : عبد اللّه ، وقبل ذلك إنما كان اسمه : هبة اللّه ، وكذا كان يكتبه ، فلما ولي الخاص كتب : عبد اللّه ، واستمر على ذلك إلى آخر وقت ، ثم إنه طلب الإعفاء من نظر الخاص ، وأعيد إلى نظر الدولة ، وتولى علم الدين بن زنبور نظر الخاص ، ولم يزل موفق الدين على نظر الدولة إلى أن أمسك ابن زنبور الوزير ، فتولى موفق الدين الوزارة ، وأقيم معه الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني مشيرا ، وكان يجلس معه إلى آخر وقت . وكان القاضي موفق الدين خيرا باطنه ، لا يزال بمحبّة الفقراء نيّرا ، يميل إلى الصلحاء ويبرّهم ، ويحسن إليهم بما يستروح إليه سرهم ، ولا يرد فقيرا ، ولو كان ما يعطيه نقيرا ، ولا يزال على مصالحهم يثابر ، وليس كمن يأخذ من نهاوش ويضعه في نهابر . وكانت أخلاقه سهلة ، وغضبه مثل ثم تقتضي التراخي والسهولة ، دائم البشر ، فائح النشر ، وكان يحب الفضلاء ويدنيهم ، ويود قربهم ويعينهم ويغنيهم ، وخطه حسن جيد نقش ، حلو الأوضاع رقش ، وكان من غريب الاتفاق ، أنه تزوّج باتفاق ، وهي جارية سوداء ، أظنها كانت من حظايا الصالح إسماعيل ، اتصل بها بعده ؛ لأن صبره فيها عيل ، ودخلت إليه بخدم كثير ، وفرش وثير ، وجد منه عثير ، وكان يتكلّف في النفقة عليها كل يوم جمله ، وينهض من ذلك بما لا يطيق غيره حمله ، ولعله لمح منها ما هاله ، فحصل له الهلع ، وأراد اللّه أن يختار له من السعود سعد بلع ، وليس ذلك بدعا فلولا الأغراض الفاسدة ما نفقت السلع ، وما الوزير موفق الدين فردا في هذه المسألة ، ولا هو بأول من نصر حجة مبطله ، فقد صنّف ابن الجوزي « 1 » كتابا سمّاه تنوير الغبش في فضائل الحبش ، وقصيدة ابن الرومي « 2 » القافية التي يصف بها السوداء تقارب مائتي بيت ، وأحسنها : ( المنسرح )

--> ( 1 ) ابن الجوزي هو : عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي أبو الفرج علامة عصره في التاريخ والحديث ، كثير التصانيف ولد سنة 508 ه ، ببغداد وتوفي بها سنة 597 ه ، له نحو ثلاث مائة مصنف منها « الأذكياء وأخبارهم » و « مناقب عمر بن عبد العزيز - رضي اللّه عنه - » ، و « روح الأرواح » و « شذور العقود في تاريخ العهود » . وغير ذلك كثير . ( انظر : وفيات الأعيان : 1 / 279 ، والبداية والنهاية : 13 / 28 ، ومفتاح السعادة : 1 / 207 ، وآداب اللغة : 3 / 91 ) . ( 2 ) ابن الرومي هو : علي بن العباس بن جريج الرومي أبو الحسن شاعر كبير من طبقة بشار والمتنبي رومي الأصل ، كان جده من موالي بني العباس ولد في بغداد سنة 221 ه ، وتوفي بها 282 ه ، مسموما يقال دس له السم وزير المعتضد القاسم بن عبيد اللّه . له ديوان شعر في ثلاثة أجزاء أختصره كامل الكيلاني وللعقاد كتاب حياة بن الرومي . ( انظر : وفيات الأعيان : 1 / 350 ، ومعاهد -